صديق الحسيني القنوجي البخاري
470
فتح البيان في مقاصد القرآن
خلقه لواحدة من المنزلتين يهيئه لعملها ، وتصديق ذلك في كتاب اللّه وَنَفْسٍ وَما سَوَّاها فَأَلْهَمَها فُجُورَها وَتَقْواها « 1 » وسيأتي في السورة التي بعد هذه نحو هذا الحديث . وأخرج ابن أبي شيبة وأحمد والنسائي عن زيد بن أرقم قال كان رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم يقول : « اللهم آت نفسي تقواها ، وزكها أنت خير من زكاها ، أنت وليها ومولاها » « 2 » وأخرجه ابن المنذر والطبراني وابن مردويه من حديث ابن عباس ، وزاد كان إذا تلا هذه الآية وَنَفْسٍ وَما سَوَّاها فَأَلْهَمَها فُجُورَها وَتَقْواها قال فذكره وزاد أيضا وهو في الصلاة ، وأخرج حديث زيد بن أرقم مسلم أيضا وأخرج نحوه أحمد من حديث عائشة . [ سورة الشمس ( 91 ) : الآيات 9 إلى 15 ] قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاها ( 9 ) وَقَدْ خابَ مَنْ دَسَّاها ( 10 ) كَذَّبَتْ ثَمُودُ بِطَغْواها ( 11 ) إِذِ انْبَعَثَ أَشْقاها ( 12 ) فَقالَ لَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ ناقَةَ اللَّهِ وَسُقْياها ( 13 ) فَكَذَّبُوهُ فَعَقَرُوها فَدَمْدَمَ عَلَيْهِمْ رَبُّهُمْ بِذَنْبِهِمْ فَسَوَّاها ( 14 ) وَلا يَخافُ عُقْباها ( 15 ) قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاها أي قد فاز من زكى نفسه وأنماها وأعلاها بالتقوى بكل مطلوب وظفر بكل محبوب ، وقد قدمنا أن هذا جواب القسم على الراجح ، قال الزجاج : صار طول الكلام عوضا عن اللام ، أي والأصل فيه ( لقد ) وتبعه القاضي قال الشهاب وعند النحاة أن الماضي المثبت المتصرف الذي لم يتقدم معموله إذا وقع جوابا للقسم تلزمه اللام وقد ، ولا يجوز الاقتصار على أحداهما إلا عند طول الكلام أو في ضرورة ، وأصل الزكاة النمو والزيادة ومنه زكا الزرع إذا كثر ، قال ابن عباس يقول قد أفلح من زكى اللّه نفسه أي بالطاعة . وَقَدْ خابَ مَنْ دَسَّاها أي خسر من أضلها وأغواها بالمعصية قال أهل اللغة دساها أصله دسسها من التدسيس وهو إخفاء الشيء في الشيء ، فمعنى دساها في الآية أخفاها وأخملها ولم يشهرها بالطاعة والعمل الصالح . وكانت أجواد العرب تنزل الأمكنة المرتفعة ليشتهر مكانها فتقصدها الضيوف ، وكانت لئام العرب تنزل الهضاب والأمكنة المنخفضة ليخفى مكانها عن الوافدين . وقال ابن الأعرابي المعنى دس نفسه في جملة الصالحين وليس منهم قال ابن عباس قد خاب من دس اللّه نفسه فأضله ، وعنه قال دساها يعني مكر بها ، وعنه قال سمعت رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم يقول في الآية : « أفلحت نفس زكاها اللّه وخابت نفس خيبها اللّه من كل خير » أخرجه أبو حاتم وأبو الشيخ وابن مردويه
--> ( 1 ) أخرجه مسلم في القدر حديث 10 ، وأحمد في المسند 4 / 438 . ( 2 ) أخرجه مسلم في الذكر حديث 73 ، والنسائي في الاستعاذة باب 13 ، 65 ، وأحمد في المسند 4 / 371 ، 6 / 209 .